محمد جمال الدين القاسمي

72

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الناصر في ( الانتصاف ) : والوجه فيه أن الغسل والمسح متقاربان ، من حيث إن كل واحد منهما إمساس بالعضو . فيسهل عطف المغسول على المسوح من ثمّ - كقوله : متقلدا سيفا ورمحا . وعلفتها تبنا وماء باردا - ونظائره كثيرة . وبهذا وجّه الحذاق . ثم يقال : ما فائدة هذا التشريك بعلة التقارب ؟ وهلا أسند إلى كل واحد منهما الفعل الخاصّ به على الحقيقة ؟ فيقال : فائدته الإيجاز والاختصار وتوكيد الفائدة - بما ذكره الزمخشريّ - أي : من أنّ الأرجل لما كانت مظنة للإسراف المذموم المنهيّ عنه ، فعطف على الرابع المسوح ، لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها . ثم قال الناصر : وتحقيقه أن الأصل أن يقال مثلا : واغسلوا أرجلكم غسلا خفيفا لا إسراف فيه كما هو المعتاد ، فاختصرت هذه المقاصد بإشراكه الأرجل مع الممسوح . ونبه بهذا التشريك ، الذي لا يكون إلّا في الفعل الواحد أو الفعلين المتقاربين جدّا ، على أن الغسل المطلوب في الأرجل ، غسل خفيف يقارب المسح . وحسن إدراجه معه تحت صيغة واحدة . انتهى . وأما من أوجب الجمع بين المسح والغسل فأخذا بالجمع بين القراءتين . ومراد من ذهب إلى وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما . فحكاه من حكاه كذلك . ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء ، وهو معذور . فإنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه . وإنما أراد ما ذكرته واللّه أعلم . ثم تأملت كلامه أيضا فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله : وَأَرْجُلَكُمْ خفضا على المسح وهو الدلك ، ونصبا على الغسل ، فأوجبهما أخذا بالجمع بين هذه وهذه . انتهى . وأما من قال : الوجب هو المسح ، فتمسك بقراءة الجر ، وهو مذهب الإمامية . وأجابوا عن قراء النصب بأنها مقتضية للمسح أيضا . وقد وقفت على كتاب ( شرح المقنعة ) من كتبهم فوجدته أطنب في هذا البحث ، ووجه اقتضاء النصب للمسح بأن موضع الرؤوس موضع نصب لوقوع الفعل ، الذي هو المسح عليه . قال : وعلى هذا لا ينكر أن يعطف الأرجل على موضع الرؤوس لا لفظها فينصب ، والعطف على الموضع جائز مشهور في لغة العرب . ثم ساق الشواهد في ذلك وقال بعد : فإن قيل : ما أنكرتم أن تكون القراءة بالنصب لا تقتضي الغسل ، فلا تحتمل المسح . لأن عطف الأرجل على مواضع الرؤوس في الإيجاب توسّع وتجوّز . والظاهر والحقيقة يوجبان عطفها على اللفظ لا الموضع ، قلنا : ليس الأمر على ما توهمتم ، بل العطف على الموضع مستحسن في لغة العرب ، وجائز لا على سبيل الاتساع والعدول عن